فخر الدين الرازي

144

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وثانيها : المراد كما أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا أيضا عنه بالدعاء إلى المعصية . وثالثها : أن يكون المراد بالإغواء الأول الخيبة ، وبالثاني الإضلال . ورابعها : أن المراد بإغواء اللّه تعالى إياه هو أنه أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه ، يعني أنه حصل ذلك الغي عقيبه باختيار إبليس ، فأما أن يقال : إن ذلك الأمر صار موجبا لذاته لحصول ذلك الغي ، فمعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، هذا جملة كلام القوم في هذا الباب وكله ضعيف ، أما قوله إنه لا يتفاوت الحال بسبب وسوسة إبليس فنقول : هذا باطل ، ويدل عليه القرآن والبرهان ، أما القرآن فقوله تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [ البقرة : 36 ] فأضاف تلك الزلة إلى الشيطان ، وقال : فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى [ طه : 117 ] فأضاف الإخراج إليه ، وقال موسى عليه السلام : هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ القصص : 15 ] وكل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال أثرا ، وأما البرهان فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى بمجالسة شخص يرغبه أبدا في القبائح . وينفره عن الخيرات ، مثل شخص كان حاله بالضد منه ، والعلم بهذا التفاوت ضروري . وأما قوله إن وجوده يصير سببا لزيادة المشقة في الطاعة / فنقول : تأثير زيادة المشقة إنما هو في كثرة الثواب على أحد التقديرين ، وفي الإلقاء في العذاب الشديد على التقدير الثاني وهو التقدير الأكثر الأغلب ، وكل من يراعي المصالح ، فإنه رعاية هذا التقدير الثاني أولى عنده من رعاية التقدير الأول لأن دفع الضرر العظيم أولى من السعي في طلب النفع الزائد الذي لا حاجة إلى حصوله أصلا ، ولما اندفع هذان الجوابان عن هذا السؤال قويت سائر الوجوه المذكورة ، وأما قوله : المراد من قوله : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي الخيبة عن الرحمة أو الإضلال عن طريق الجنة فنقول : كل هذا بعيد ، لأنه هو الذي خيب نفسه عن الرحمة وهو الذي أضل نفسه عن طريق الجنة ، لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيب نفسه عن الرحمة ، وأضل نفسه عن طريق الجنة فكيف يحسن إضافته إلى اللّه تعالى فثبت أن الإشكالات لازمة وأن أجوبتهم ضعيفة . واللّه أعلم . وأما قوله : إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن إبليس استثنى المخلصين ، لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ، ولا يقبلون منه ، وذكرت في مجلس التذكير أن الذي حمل إبليس على ذكر الاستثناء أن لا يصير كاذبا في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في غاية الخساسة . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو : المخلصين بكسر اللام في كل القرآن ، والباقون بفتح اللام . وجه القراءة الأولى أنهم الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد ، ومن فتح اللام فمعناه : الذين أخلصهم اللّه بالهداية والإيمان ، والتوفيق ، والعصمة ، وهذه القراءة تدل على أن الإخلاص والإيمان ليس إلا من اللّه تعالى . المسألة الثالثة : الإخلاص جعل الشيء خالصا عن شائبة الغير فنقول : كل من أتى بعمل فإما أن يكون قد أتى به للّه فقط أو لغير اللّه فقط ، أو لمجموع الأمرين ، وعلى هذا التقدير الثالث فإما أن يكون طلب رضوان اللّه راجحا أو مرجوحا أو معادلا ، والتقدير الرابع أن يأتي به لا لغرض أصلا وهذا محال ، لأن الفعل بدون الداعية محال . أما الأول : فهو الإخلاص في حق اللّه تعالى ، لأن الحامل له على ذلك الفعل طلب رضوان اللّه ، وما جعل